نماذج من العطف والرحمة عند الأنبياء والرسل
عليهم الصلاة والسلام
الأنبياء والرسل بشرٌ مثلنا، لكنْ خصهم الله سبحانه وتعالى بشرفٍ عظيم، وهو الوحي إليهم، وتبليغ رسالته، وتجلت فيهم الصفات والأخلاق البشرية العالية بأبهى حللها، ومنها صفة العطف، تلك الصفة التي إن وجدت في المرء ارتفعت منزلته بين الخلائق، وغيرت طريقة تفكيره في الكثير من الأشياء الدنيوية..
نسلط الضوء في هذه المقالة على نماذج من العطف عند الأنبياء والتي ذُكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية، بشكل ميسَّر.
محمد صلى الله عليه وسلم
خير خلق الله، ملأت سيرته الدنيا عطرًا ورحمةً وعطفًا.. فلا يكاد يُعرف نموذج من العطف إلا وجدناه في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. ولعلنا نختصر كل هذه النماذج بمعرفتنا أن الله سبحانه وتعالى قد أرسله رحمةً للعالمين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٧، والرحمة صفة جامعة تحمل في طياتها العطف، والشفقة، واللطف، والتسامح، وكل الصفات الطيبة.. كما وصفه الله سبحانه وتعالى بالشفقة على قومه وأنه يعز ويشق عليه أن يرى عليهم ضررًا أو أذى، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ التوبة: ١٢٨، وقد بلغ من شفقته صلى الله عليه وسلم أنه كان يحزن على إعراض المشركين عن الإيمان بالله، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ الكهف: 6.
وكان صلى الله عليه وسلمًا عطوفًا رحيمًا بالأطفال، يضاحكهم ويلاعبهم ويرحم ضعفهم، فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "والله إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تفتتن أمه" حديث صحيح رواه الشيخان، فرحمته صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت قرارًا عمليًا بالتخفيف. وعند أبي قتادة رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يصلِّي وَهوَ حاملٌ أُمَامَةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فإذا سجدَ وضعَها وإذا قامَ حملَها. متفق عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم يعفو ويصفح ويرفض أن يؤذي من آذاه، فها هو في فتح مكة يخبر من آذوه وأخرجوه: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وحينما ذهب إلى الطائف فآذاه أهلها وأغروا به سفهاءهم، ناداه مَلَك الجبال: "... فَناداني ملَكُ الجبالِ : فسلَّمَ عليَّ ، ثمَّ قالَ : يا محمَّدُ : إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ ، وأَنا ملَكُ الجبالِ ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ ، وبما شئتَ ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا" أخرجه البخاري ومسلم. ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدعو على المشركين بالهلاك حتى وإن آذوه، فقد قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، ادعُ على المُشرِكينَ، قال: "إنِّي لم أُبعَثْ لَعَّانًا، وإنَّما بُعِثتُ رَحمةً" رواه مسلم. فقد بلغ عطفه صلى الله عليه وسلم أنه رجا لهم الهداية بدلًا من الانتقام والدعاء عليهم..
وكان صلى الله عليه وسلم يرحم ويعطف على الحيوانات، وكان يغضب إذا رأى من يؤذيها، فقد روي عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أردفَني رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، ذاتَ يومٍ خَلفَهُ ، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أُخبِرُ بِهِ أحدًا أبدًا وَكانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أحبُّ ما استترَ بِهِ في حاجتِهِ هدَفٌ ، أو حائشُ نَخلٍ ، فدخَلَ يومًا حائِطًا مِن حيطانِ الأَنصارِ ، فإذا جَملٌ قدِ أتاهُ فجَرجرَ ، وذَرِفَت عيناهُ - قالَ بَهْزٌ ، وعفَّانُ : فلمَّا رَأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حَنَّ وذرِفَت عيناهُ - فمَسحَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سراتَهُ وذِفراهُ ، فسَكَنَ ، فقالَ : "مَن صاحبُ الجمَلِ ؟" فجاءَ فتًى منَ الأَنصارِ، فقالَ: هوَ لي يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: "أما تتَّقي اللَّهَ في هذِهِ البَهيمةِ الَّتي ملَّكَكَها اللَّهُ، إنَّهُ شَكا إليَّ أنَّكَ تجيعُهُ وتدئبُهُ" إسناده صحيح [رواه أحمد بإسناد صحيح].
وما أشهر حديث تلك التي دخلت النار في هرة، ومن منا لا يعرفه: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض" متفق عليه.
وفي حديث آخر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ في سفَرٍ فانطلقَ لحاجتِهِ فرأَينا حُمَّرةً معَها فرخانِ فأخَذنا فرخَيها فجاءت تعرِشُ فجاءَ النَّبيُّ فقالَ: "مَن فجعَ هذِهِ بولدِها؟ ردُّوا ولدَها إليها". ورأى قريةَ نملٍ قد حرَّقناها. فقالَ: "مَن حرَّقَ هذِهِ؟" قُلنا: نحنُ قالَ: "إنَّهُ لا ينبَغي أن يعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ". رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وكان عطوفًا رحيمًا بالخدم، روى أبو ذر الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هُم إخوانُكم خَوَلُكم، جَعَلَهم اللهُ تحت أيْديكم، فمَن كان أخُوه تحت يَدِه فلْيُطعِمْه ممَّا يَأكُلُ، وليُلبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإنْ كَلَّفتُموهم فأعينُوهم.." متفق عليه.
وقال أنس بن مالك رضى الله عنه: خدمتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عشرَ سنينَ، فما قال لي أُفٍّ قطُّ، وما قال لي لشيٍء لَمْ أفعلْهُ: ألا كنتَ فعلتَه؟ ولا لشيٍء فعلتُه: لِمَ فعلتَه؟ أخرجه البخاري.
وكان يراعي الضعيف والمريض والكبير، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلَّى أحَدُكم لِلناسِ فليُخفِّفْ؛ فإنَّ منهم الضَّعيفَ والسَّقيمَ والكَبيرَ، وإذا صلَّى لِنَفْسِه فليُطوِّلْ ما شاءَ." أخرجه البخاري.
وغيرها من صفات الرحمة والعطف الكثيرة التي لن نستطيع احصاءها في هذا المقال، ولعلنا نختم بأجل صفة من هذه الصفات، وهي عطفه على أمته صلى الله عليه وسلم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلةٌ من مات منهم لا يشركُ باللهِ شيئًا". أخرجه البخاري.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَلا قَولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهنَّ أضلَلنَ كَثيرًا مِنَ النَّاسِ فمَن تَبِعَني فإنَّه مِنِّي﴾ إبراهيم ٣٦، وقال عيسى عليه السَّلامُ: ﴿إن تُعَذِّبهُم فإنَّهم عِبادُك وإن تَغفِر لهم فإنَّك أنتَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾ المائدة ١١٨، فرَفَعَ يَدَيه وقال: "اللهمَّ أُمَّتي أُمَّتي"، وبَكى، فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبريلُ، اذهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّك أعلَمُ، فسَلْه ما يُبكيك؟ فأتاه جِبريلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فسَألَه فأخبَرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما قال، وهو أعلَمُ، فقال اللهُ: يا جِبريلُ، اذهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فقُلْ: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتِك ولا نَسوءُك. رواه مسلم.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نوح عليه السلام
تتجلى هذه الصفة عند نبي الله نوح عليه السلام في عطفه على ابنه، حين رآه والطوفان يبتلع الحجر والشجر والمياه تغمر الأرض والسماء تمطر، فناداه بكل حزن ورقة: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلَا تَكُن مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ هود ٤٢. فقد كان حريصًا على إنقاذه حتى النهاية. لكنه أبى، فغرق، وكان كافرًا.
وظهرت رحمته وشفقته في خوفه على قومه من العذاب: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الشعراء ١٣٥، وكيف لا يكون رحيمًا مشفقًا وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم! ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ العنكبوت ١٤. وحتى حينما أمره الله تعالى ببناء السفينة، كان يعلم سره ويعلم طبيعته وأنه عليه السلام كان ليسأله ألا يعذب قومه شفقة ورحمة بهم: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ هود ٣٧. وقد بيَّن الله له الأمر بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ هود ٣٦.
إبراهيم عليه السلام
ظهر العطف عند إبراهيم عليه السلام في رقة خطابه لأبيه وخوفه عليه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مريم: ٤٢، خاطبه بلطف، وكرر وأظهر له خوفه الصريح عليه، وهذا من أبلغ صور الرفق بالوالدين، حتى مع اختلاف العقيدة. ولم يكفَّ عن الاستغفار له حتى بين الله تعالى له أن أباه مات على الكفر: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ التوبة ١١٤.
وفي خوفه على قوم لوط رحمةً بالمؤمنين منهم، جادل الملائكة ألا يُنزلوا بهم العذاب: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ هود ٧٤-٧٥. ونرى تكرار صفة الله تعالى له بأنه حليم أواه، وهي أعلى درجات الرحمة والعطف! فهو رقيق القلب كثير التضرع، صابرٌ لا يود تعجيل العقوبة!
وكان عليه السلام كثير الدعاء لذريته، فكان يحمل هم أسرته وذريته، بل وحتى المجتمع الذي سيعيشون فيه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ إبراهيم ٤٠، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ البقرة ١٢٦، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ إبراهيم ٣٥. ولم يكتف بالدعاء لهم بالنجاة في الآخرة، بل سأل الله تعالى أن يرزقهم الأمن والرزق في الدنيا أيضًا، وفي ذلك اجتماع للعطف والشفقة في الدنيا والآخرة!
موسى عليه السلام
كان عليه السلام قويًا، فظهرت صفتا الرحمة والعطف عنده بأبهى صورة لرجل قوي مثله، وهي المبادرة إلى مساعدة الضعفاء حين ساعد المرأتين بسقيا الماء بدون معرفة سابقة بهما أو تردد: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ القصص ٢٣-٢٤.
وقد أمره الله تعالى بالدعوة باللين، ليس ضعفًا، بل رفقًا وحكمة: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ طه ٤٤.
ويظهر خوفه على أهله أنه ذهب لوحده ليحضر لهم شعلة من النار التي رآها أو يجد من يصف له الطريق، فذهب للتأكد وحده احتياطًا ألا يصيبهم مكروه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (9) إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ طه ١٠.
عيسى عليه السلام
تظهر رحمته وشفقته عليه السلام في استعطافه ودعائه لقومه: ﴿إن تُعَذِّبهُم فإنَّهم عِبادُك وإن تَغفِر لهم فإنَّك أنتَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾ المائدة ١١٨.
وكان عليه السلام بارًا بأمه ولم يكن جبارًا في الأرض: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ مريم ٣٢.
يعقوب عليه السلام
كلما قرأنا سورة يوسف، ننبهر من عطفه عليه السلام على أبنائه وشفقته بهم وحبه لهم، وما أعظم هذه الخصال للأب مهما طاله من إساءة من أولاده ومهما جاءه حزن بسببهم، فها هو عليه السلام يستغفر لهم بعد كل تلك السنين من العذاب والهم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يوسف ٩٨. ويظهر جليًا عمق عاطفته تجاه ابنه يوسف عليه السلام في أكثر من موضع مثل: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ يوسف ٨٤.
ويظهر خوفه عليهم ونصحه لهم حين أرسلهم إلى مصر: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يوسف ٦٧.
وحتى وهو على فراش الموت، لم يملَّ من نصحهم ووصيتهم ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ البقرة ١٣٣، وتجدر الملاحظة هنا إلى بر أولاده به أيضًا وطاعتهم له.
يوسف عليه السلام
يُعد موقف يوسف عليه السلام مع إخوته من أعظم صور الرحمة، فبعد كل هذا الظلم الذي ألحقوه به، عفا عنهم! ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يوسف ٩٢، ولم يكتف بالعفو عنهم، بل دعا لهم بالمغفرة أيضًا.
ولم يكتف عليه السلام بهذا أيضًا، بل آواهم وأدخلهم إلى مصر وأسكنهم معه وأكرمهم مع أبويه: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ يوسف ٩٩
لوط عليه السلام
تظهر لديه عليه السلام صفة العطف على صورة خوفه على ضيوفه وحرصه عليهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ هود ٧٧، فقد كان ضيقه نابعًا من خوفه عليهم، حتى قال لقومه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ هود ٧٨.
سليمان عليه السلام
رغم عظمة ملكه وما رزقه الله من معجزات عليه السلام، كان رحيمًا حتى بأصغر المخلوقات فعندما سمع كلام النملة لم يتجاهلها، بل تبسم شاكرًا لله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ..﴾ النمل ١٩، ويظهر في قول النملة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ..﴾ النمل ١٨، قولها "وهم لا يشعرون" أن سليمان وجنوده لم يكونوا ليتعمدوا الإفساد أو الإيذاء.
ولم يتسرع عليه السلام بعقوبة الهدهد، والذي كان جندًا من جنوده، بل طلب الحصول على بينة منه تفند سبب تأخره واختفاءه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ النمل ٢٠-٢١.
شعيب عليه السلام
خاطب شعيب عليه السلام قومه مخاطبة الناصح المشفق: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ هود ٨٨. ونذكر أيضًا خوفه على قومه وعطفه عليهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ هود ٨٤.
وتتجلى صفة النصح المشفق عند بقية الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فها هو هود عليه السلام ينصح قومه ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ الأعراف ٦٨، وإشفاق صالح عليه السلام على قومه بعد أن أتاهم العذاب: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ الأعراف ٧٩. فالنصيحة المستمرة حتى بعد الأذى والمعاندة صور من صور الرحمة، فالنبي يريد إنقاذ قومه ويخاف عليهم من العذاب.
رحمة الأنبياء عليهم السلام لا تعني إقرار الباطل، أو الاعتراض على حكم الله، أو عدم العدل؛ بل تجمع بين الشفقة والحق. ويظهر ذلك بوضوح في المواقف والآيات التي ذكرناها في هذه المقالة.
الأنبياء كانوا خير خلق الله، وأفضلهم صفات، وأكثرهم محبة وعطفًا ورحمة، نسأل الله أن يرزق قلوبنا الرحمة وأن يجعلنا ممن يتحلى بصفاتهم.