سيرة إبراهيم عليه السلام
مراحل نجدها في حياة المؤمنين
سيرة إبراهيم عليه السلام فيها دروس وعبر عظيمة، حين نتأملها لا نراها مجرد أحداث متفرقة، بل هي رحلة إيمانية عميقة، مرت بمراحل تتكرر معانيها وظلالها في حياة المسلمين منذ بدء الرسالة، بل نرى بعض هذه المراحل قد تجلت في حياة بعض الرسل من بعده، فليس المقصود هنا ترتيب الوقائع ترتيبًا تاريخيًا، وإنما الوقوف عند المعاني التي تكشف كيف ينتقل الإنسان من التفكر إلى اليقين، ومن اليقين إلى العمل، ومن العمل إلى الابتلاء، ومن الابتلاء إلى التسليم، ومن التسليم إلى الطمأنينة..
ويمكننا اختصار تلك المراحل بالنقاط التالية:
التفكر والبحث واليقين: لم يرض عليه السلام بما يصنعه قومه من عبادة الأصنام وأنكر ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام ٧٤].
ثم بدأ رحلة البحث بما بين يديه، فتأمل الكواكب والنجوم، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٦ - ٧٨]..
وكانت النتيجة وصوله عليه السلام لليقين: فتيقن نهايةً وجودَ خالقٍ لهذا الكون، وتوجه إلى عبادة الله وحده، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٧٩].
المواجهة والدعوة: بعد تيقنه عليه السلام بوجود الخالق العظيم، وتمثله لعبادة الله وحده، قام بمواجهة قومه لما رأى ضلالهم، فقام بتحطيم أصنامهم ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣]، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء ٥٨] حيث كان يملك القوة والشجاعة والحجة.
ولم يكتف إبراهيم عليه السلام بتحطيم الأصنام، بل اتجه إلى المناظرة والإقناع، وصبر وابتلي في ذلك بلاء عظيمًا، فها هو يدعو قومه: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٥-٩٧] ، وكانت لديه من الحجة أن قام بمناظرة الملك: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ اللَّهُ الۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأۡتِي بِالشَّمۡسِ مِنَ الۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ الۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَۗ وَاللَّهُ لَا يَهۡدِي الۡقَوۡمَ الظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
الهجرة: لما استصعب عليه هداية قومه، ورأى منهم الأذى والعناد والاستكبار، اضطر عليه السلام إلى الهروب بدينه: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩]. فخرج من المكان الذي نشأ فيه وترعرع، وترك كل شيء في سبيل الله تعالى.
الابتلاء والتسليم: الله سبحانه وتعالى يبتلي المرء ليختبر إيمانه، وابتلى اللهُ إبراهيم عليه السلام باختبارات عظيمة، ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وترك عائلته بصحراء قاحلة بلا زرع: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ الۡمُحَرَّمِ... ﴾ [ابراهيم:٣٧] و أمره الله سبحانه ببناء الكعبة هناك: ﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ الۡقَوَاعِدَ مِنَ الۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ ... ﴾ [البقرة:١٢٧]. وأعظم الابتلاءات كانت رؤياه بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي الۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَانظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ افۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّـٰبِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]..
الإيمان والطمأنينة: من الأمور العظيمة في حياة إبراهيم عليه السلام، تثبيت وتعميق إيمانه ويقينه، فها هو يسأل ربه أسئلة لا تدعو إلى الشك، وإنما إلى تثبيت وتعميق الإيمان واليقين، ليطمئن القلبُ ويثبت، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]، ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الۡمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥].
رقة القلب والإنابة: من الصفات الجليلة لإبراهيم عليه السلام، رقة قلبه، فهو لا يفتأ يستغفر ربه، ويشكره، ويدعوه تعالى أن يرحم عباده ويهديهم، ونجد ذلك في عدة مواضع وعدة قصص: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣١-٣٢]، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤]. ﴿الۡحَمۡدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ (٣٩) رَبِّ اجۡعَلۡنِي مُقِيمَ الصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾ [إبراهيم:٣٩-٤٠]. وقد أثنى الله تعالى عليه في عدة مواضع لهذه الخصلة الحسنة وخصه بها، ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّـٰهٌ حَلِيم﴾ [التوبة:١١٤] ، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ [هود:٧٥] ، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل:١٢٠].
هذه النماذج الجليلة في حياة إبراهيم عليه السلام، نجدها بشكل أو بآخر في كثير ممن هدى الله تعالى، فنجدها قريبة من بعض مراحل حياة المسلم، لا من مقام النبوة، لكن من حيث المعاني الواضحة، فكم من مؤمن بدأ رحلته إلى اليقين بالتفكر حتى هداه الله تعالى، وكم من مؤمن ابتلاه الله تعالى، وهرب بدينه، فصبر وظفر، وكم من مسلم كانت تملؤه الحماسة في شبابه فواجه ودعا، ثم عند كبره رق قلبه وصار يتعبد ربه مبتعدًا عن خلقه ملتجئًا إليه وحده. وكم من مؤمنٍ ابتلاه الله في أهله وولده وماله فوجد في التسليم لله طمأنينة وراحة، فجزاه الله خيرًا في دنياه وآخرته.
فليست سيرة إبراهيم عليه السلام قصة تُقرأ فحسب، بل هي مجموعة من النماذج والدروس العظيمة، التي يرى فيها المؤمن شيئًا في رحلته الإيمانية: طريقه للهداية، وابتلاءات ترفع درجاته، وتسليمًا يطمئن به قلبه، وإنابةً ورقة تزيده إيمانًا.