حقوق الطبع محفوظة.. بين شاعرين
ظهرت عبارة "حقوق الطبع محفوظة" على أغلفة الكتب العربية قبل نهاية القرن التاسعَ عشر بسنوات، بوصفها تنبيهًا يُثبت الملكية الفكرية للكتاب، ويحفظ حق ناشره أو مؤلفه.
ولكن اللافت أن هذه العبارة خرجت لاحقًا من إطارها النثري، ودخلت إلى الشعر العربي في أبياتٍ لطيفة تناقلتها المطابع والكتب، حيث ارتبطت في أذهان القراء ببيتين شهيرَين طُبعا على أغلفة الكثير من الكتب العربية، أو في الصفحات الأولى منها.
البيتان الشهيران في المطابع (التنبيه)
كان مُلتزِم الكتب أحمد علي المَلِيْجِي، الموصوف بالكُتُبي الشهير، يحرص على أن يُطبع هذان البيتان من نظمه على أغلفة الكتب التي يتولى نشرها:
كتابٌ قَدْ حَوَى دُرَرًا * بعَينِ الحُسنِ مَلحُوظَهْ
لِهذا قلتُ (تَنبِيهًا): * حُقوقُ الطَّبعِ مَحفُوظَهْ
ومن الكتب التي التزم طباعتها وظهر على أغلفتها البيتان: كتاب الأجوبة الجَلِيَّة عن الأسئلة الدينية في مذهب السادة الشافعية، للفقيه المصري محمد بن عبدالله الجُرْدَاني، الصادر سنة 1328هـ / 1910م.
ثم انتشرا بعد ذلك في عالم الطباعة العربية، وبمرور الوقت، أصبح هذا "التنبيه الشعري" من أشهر الأدبيات المرتبطة بفكرة حفظ حقوق الطبع في الثقافة العربية الحديثة.
غير أن الشطرين: "بعَينِ الحُسنِ مَلحُوظَهْ"، و"حُقوقُ الطَّبعِ مَحفُوظَهْ"، لم يكونا من إنشاء المليجي، بل ضمَّنهما من بيتين لشاعرٍ سبقه إليهما.. فمَن قائلهما الأول؟
الأصل الأقدم (التأريخ)
قبل صدور كتاب الجُرداني بأكثرَ من عِقدٍ من الزمن، طُبع كتاب "حديث الطَّيف عن رحلة الشتاء والصيف"، للأديب أحمد سعيد الحسيني الجيلاني البغدادي، سنة 1896م، وعلى غلافه كتب هذان البيتان من نظم مؤلف الكتاب:
حَدِيثُ الطَّيفِ صِحَّتُهُ([1]) * بِعَينِ الحُسْنِ مَلحُوظَهْ
فَأَرِّخْ طَبْعَهُ دَامَتْ * حُقُوقُ الطَّبعِ مَحفُوظَهْ
--- ٨٦ ٤٤٥ 214 112 1039
سنة ١٨٩٦
وهنا يظهر المصدر الأول للشطرين، كما يتبين أن عبارة حقوق الطبع دخلت الشعر لا باعتبارها مجرد تنبيهٍ حقوقي، بل بوصفها أيضًا جزءًا من تأريخٍ شعريٍّ محسوبٍ بدقة.
حين تحولت العبارة إلى تأريخ
اعتمد الشاعر في البيت الثاني على حساب الجُمَّل، وهو أسلوب قديم تُمنح فيه الحروف قيمًا تُستخدم لاستخراج التواريخ من الكلمات والجمل، وكثيرًا ما تستخدم قبله في الشعر كلمةٌ تمهيدية تدل على أن الآتي هو تأريخٌ شعري، مثل كلمة "فأرِّخ" المذكورة في البيت.
فالكلمات: "طبعه، دامت، حقوق، الطبع، محفوظة" يؤدي مجموع قيَم حروفها إلى سنة 1896م، وهي سنة طباعة الكتاب.
وهكذا أصبحت عبارة «حقوق الطبع محفوظة» جزءًا من تاريخٍ مخبوءٍ داخل البيت الشعري نفسه..
والطريف أن هذه العبارة الموزونة على مجزوء البحر الوافر، كانت مستخدمة على أغلفة الكتب قبل ذلك بسنوات، ولكن بصورةٍ نثرية مباشرة، ومن دون قصدٍ للتأريخ أو الوزن.
قبل أن تصبح شعرًا
من أقدم الكتب التي ظهرت على أغلفتها عبارة "حقوق الطبع محفوظة": كتاب الندى الرطيب في الغزل والنسيب، لسليم شاهين سركيس، الصادر عن المطبعة الأدبية ببيروت سنة 1886م، ووردت عبارة "حقوق طبعه محفوظة للمؤلف" على غلاف كتاب تحفة الإخوان في حفظ صحة الأبدان، لداود بن سليمان بن موسى أبو شَعْر، المطبوع سنة 1883م.
ويبدو أنها كانت قد بدأت بدخول عالم النشر العربي في تلك الحقبة باعتبارها صيغةً قانونية أو تجارية مختصرة لحفظ حقوق الطباعة.
شُهرة متفاوتة..
وعلى الرغم من أن حضور هذين الشاعرين في كتب التراجم وفي الدراسات الأدبية يبدو محدودًا، تُثبت المصادر أن كِلَيهما كان له نشاطٌ أدبي وثقافي في عصره.
ولا تتوافر معلوماتٌ كثيرة عن أحمد سعيد الحسيني الجيلاني البغدادي، غير أن الثابت أنه كان حيًّا قبل سنة 1314هـ / 1896م، وعمل في الدائرة السَّنِيَّة بمصر، كما عُرف بأنه أديب وشاعر،([2]) ومن آثاره أيضًا كتاب: نَدِيم الأديب.([3])
أما أحمد علي المَلِيْجِي، فشخصيته أوضح حضورًا، إذ عُرف بكونه كُتُبيًّا ومؤلفًا وشاعرًا، وذا نشاطٍ دعوي وثقافي، وُلد في قرية مَلِيْج بمصر،([4]) وحفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية، ثم انتقل إلى الجامع الأزهر حيث تلقى علومه هناك، ونال إجازته، وعمل بعد ذلك بالتدريس في الأزهر، كما افتتح مطبعة ومكتبة المليجيَّة بالأزهر، وأسس الحزب الخيري، وتولَّى رئاسته، وتوفي بالقاهرة في أربعينيات القرن العشرين.([5])
وماذا عن الدُّرَر؟
يبدو أن الشطر "كتابٌ قَدْ حَوَى دُرَرًا" مضمَّن أيضًا، إذ ورد في كتاب الروض النضر في ترجمة أدباء العصر،([6]) ضمن قصيدةٍ لمؤلفه عصام الدين بن علي بن مراد العمري (1134 - 1184هـ)، يقول:
لقد وصلَ الكتابُ إلى المعَنَّى * من السامي الحِجَى فضلًا ومَنَّا
كتابٌ قد حوى دررًا، ولكنْ * لآلئُ نظمهِ فاصدفه جونا([7])
والمقصود بالكتاب هنا: الرسالة.
وطُبع على غلاف كتاب "مقدمة العلَّامة ابن خَلدون":
كتابٌ قد حوَى دُرَرَ المَعاني * وبَحرُ فوائدٍ لِلمُقتَنِيهِ
فلا تعجَبْ لِهاتِيكَ المَباني * فإنَّ البحرَ كُلُّ الدُّرِّ فيهِ([8])
وبذلك نصل إلى أن قائل البيتين اللذين يبدآن بِـ "كتابٌ قَدْ حَوَى دُرَرًا" هو الكتبي أحمد علي المَلِيجي، وأن أول من أدخل عبارة "حُقُوقُ الطَّبعِ مَحفُوظَة" في بناءٍ شعري، وجعلها تؤدي وظيفةً فنية وتاريخية في الوقت نفسه، هو الأديب أحمد سعيد الحسيني الجيلاني البغدادي.
صورة الغلافين في المرفقات
ــــــــــــ
([1]) هنا تورية تخص علومَ الحديث النبوي الشريف، وهي عن الحديث الصحيح.
([3]) طبع في المطبعة الشرفية بالقاهرة، سنة 1314هـ، وتنظر نُبذة عنه، ومختارات منه، في كتاب: نوادر الكتب: غريبها وطريفها/ محمد خير رمضان يوسف: ص 201، وما بعدها.
([4]) مَلِيْج: من قرى مركز شبِيْن الكُوم، التابع لمحافظة المنُوفيَّة في مصر.
([5]) موقع معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
([6]) تحقيق الدكتور سليم النعيمي: 2 / 375.
([7]) حاشية البيت في التحقيق: كذا في الأصول، ولم نتبين معناه، وهو كثيرًا ما يلجأُ إلى مثل ذلك.
([8]) لم أعثر على اسم مؤلف البيتين، وربما كُتبا لطباعتهما على هذا الغلاف، إذ لم أجدهما إلَّا عليه، في أكثرَ من طبعة، ومنها الطبعة الصادرة عن المطبعة الأدبية ببيروت، عام 1900م.
