أصل ومعنى الشعر والأدب في اللغة العربية
[يتضمن هذان المبحثان بعض الآراء التي بناها المؤلف على النظرية الثنائية (المذهب الثنائي) في اللغة]
الشعر العربي وأصل اسمه:
هناك تحديدات شتَّى للشعر العربي، فنجتزئ بإيراد خلاصة ما جاء في ذاك الشأن في تاج العروس (٣ – ٣٠٠ ي)، قال: "الشِّعر بالكسر هو كالعِلْم وزنًا ومعنًى". وقيل: هو العلم بدقائق الأمور. وقيل: هو الإدراك بالحواس... ثم غلب على منظوم القول لشرَفِه بالوزن والقافية... وعلَّل صاحب المفردات غلبَتَه على النظم بكونه مشتملًا على دقائق العرب، وخفايا أسرارها ولطائفها. وقال شيخنا: وهذا القول هو الذي مال إليه أكثر أهل الأدب، لدقَّتِه وكمال مناسبته، ولِما بينه وبين الشَّعَر (محرَّكة) من المناسبة في الدقة، كما مال إليه بعض أهل الاشتقاق... وهو شاعر، قال الأزهري: لأنه يشعر ما لا يشعر غيره، أي يعلم. وقال غيره: لفِطنته".
من هذه الأقوال يُستدل على أن "الشِّعر" مرادف "للعِلم والإدراك"، وأنه غلبَ على القول الموزون والمقفَّى.
أمَّا "شَعَرَ" الثلاثي، فأصله من الرسِّ الثنائي "شَعْ"، الدالِّ على البروز، والانتِبَار، والتفرُّق، والانتشار. وفي كلها مدلولُ الحركة. نتحقق ذلك في الكلمات التالية: شَعْ: فرق، انتشر. الشُّعّ: ضوء الشمس المنتشر. ومن فكرة البروز والانتشار، الظاهرة في الثنائي، تولَّدَت في الثلاثي "شَعَر" المفاهيم التالية: الشَّعَر: هو شِبه الخيوط الخارجُ من مسامِّ الحيوان، ومن بعض أعضاء الإنسان. ومن خواصه الشوك، والانتفاش، والامتداد، والتفرُّق. وعند تأثر الجسم بأحد المؤثرات - خارجيةً كانت أم داخلية - فإن الشَّعَر ممَّا ينفعل أشدَّ الانفعال بهذه العوامل، فيتولَّد في الجسم الإحساسُ.
على أن الشعور أو الإحساس هو أولُ درجة من العلم، أي إنه الإدراك بالمشاعر، وهي الحواسُّ. ولذا ورد في العربية: شعَر: فطِنَ للشيء، أي عقَلَه وعلِمَ به. واستنادًا إلى هذا جاءت التحديدات للشعر في كتب الأدب، وفي المعاجم. (يراجع "المعجمية العربية"، لمرمرجي، ص ١٩٠ ي).
لكن لدى إنعامِ النظر، لا يظهر هذا التحديد وافيًا بالمَرام، وإن وصل إلينا بالتقليد على ممَرِّ الأيام، إذ ليس هناك من مناسبةٍ خاصة بين التعريف وموضوعِه. فإن كلَّ الكلام يرادُ به المعرفة والإدراك، وهو ليس بخاصٍّ بالشعر وحده. لأن النثر بعامَّة فنونِه يفيد العلم.
هذا وإذا نحن استقرَينا تأريخ نشأة الشِّعر وانتشاره، بين الأُمم عمومًا، وبين العرب خصوصًا، رأينا أنه ينتظم في سِلك الفنون الفتَّانة المتوقفة على وصف الطبيعة. فالنقش، وهو أولها، يمثِّل ما في الطبيعة من بروزٍ وانخفاض. والرسم، وهو ثانيها، يبين انبساطها، وما فيها من خطوطٍ وألوان. والشعر، وهو ثالثها، يصوِّر الطبيعة بالخيال. والموسيقى، وهي رابعها، تتفق مع الشعر، لأن الشِّعر يعبِّر عن جمال الطبيعة بالألفاظ والمعاني، والموسيقى أو التلحين، يقوم بذلك بواسطة الأصوات المنغَّمة الموقَّعة.
أما العَروضيون، من أهل اللغة العربية، فيَعنون بالشِّعر الكلامَ المقفَّى الموزون. وهذا يشمل النَّظم، دون الانطباق على الشِّعر، لِما بين الاثنين من شاسع البَون. إذ مِن المستطاع أن يكون المرءُ شاعرًا دون إجادته النظمَ، أو أن يكون متقنًا النظمَ وهو معدم الشاعرية. فالنظم كالقالَب يُسبَك فيه الشعر، وقد يُسبَك فيه النثر أيضًا. وقد جاء على لسان العرب: "الشِّعر كلامٌ أجوَدُه أشعَرُه". وقالوا أيضًا: "الشِّعر شيءٌ تَجِيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا".
كان الشعر عند القدماء، على أنواعٍ شتَّى، منها الشعر القَصَصي المتوقف على إيراد الحوادث شعرًا موزونًا وغير موزونٍ على سبيل القصة، كما جاء عند اليونانيين في إلياذة هوميروس، وعند الفرس في "المهابهارتة"، وعند العبريين في نشيد الأناشيد. ومن ضروب الشعر: الشعرُ الغنائي، إذ إنَّ بين الشعر والغناء رابطةً وثقى حَملت الأُممَ على احتسابها من أصلٍ واحد. لذا كان الرومانيون واليونانيون يقولون: "غنَّى الشِّعر". وكذلك العرب، فقد كانوا وما يزالون يقولون: "أنشدَ الشِّعرَ"، أي غنَّاهُ. وقد نبَغَ بين العرب طائفةٌ من الشعراء كانوا يغنُّون شعرهم، منهم الأعشى الملقَّب بصَنَّاجَة العرب، لإنشاده شعرَه. وفي أيام الخلفاء، حين كان يَفِد على أحدهم شاعرٌ من الشعراء، كان ينتصب بين يدي الخليفة وينشدُ قصيدته، وإن عجَز عن الغناء، استصحب غلامًا رخيم الصوت ينشدُ قصائده.
وكان مَنشأُ الشعر بالسَّجْع غير الموزون. منه سجعُ الكُهَّان المغنَّى تَبَعًا للقافية. وأما النظم المَقِيس المقطَّع، فكان وضعُه من البَدء للغناء. والظاهر أن الوزن طُبِّق على الحُدَاء، وهو الغناء على سَيرِ الإبل الهُوَينا. فإن العرب، حين قطعِهِم الفَيافيَ راكبين الجِمال، كانوا، إذا قصدوا السيرَ بها بتَؤُدَةٍ ورفقٍ يَحدُونها، أي يُنشدون، أو يغنُّون أشعارًا على وزن الرَّجَز، وهو أوَّلُ الأوزان وأبسطُها، ويشبِه بتوقيعه مشيَ الإبل على هَونها.
ولنا شواهدُ في العربية على أن الشعر كالحُداء، يُطلَق على الغِناء. كقول بعضهم:
تَغَنَّ بالشِّعر، إنْ ما كنتَ قائلَهُ * إنَّ الغناءَ لهذا الشِّعرِ مِضمارُ
وتقول العرب: "فلانٌ يتغنى بفلانٍ أو فلانة"، إذا صَنع في أحدهما شعرًا.
قال ذو الرُّمَّة:
أُحِبُّ المكانَ القفْرَ مِن أجلِ أنَّني * بهِ أتغنَّى باسمِها غيرَ مُعجِمِ
وكذلك يقولون: "حدا به"، إذا قال فيه شعرًا. قال المَرَّارُ الأسدي:
ولو أنِّي حدَوتُ بهِ ارفَأنَّتْ * نَعامَتُهُ وأَبصرَ ما يقولُ
وعند ابتداع الأوزان، أضحى الغناء عندهم ألحانًا معيَّنة، فخصصوا بكل غناءٍ أو لحنٍ وزنًا. فكان "النَّصَب" غناء الرُّكبان والفتيان. و"السِّنَاد": الثقيل الكثير النغم، و"الهَزَج": الغناء الخفيف، يلازمه الزَّفْنُ والعزف بآلات الطرب.([1])
يَنجُم مما تقدم أن الشعر عند كل الأمم، ولا سيما عند العرب، مرادفٌ للغناء، لا بل هو الغناءُ بالذات. فإن كان الأمرُ كذلك، كيف يا تُرى أُطلق عليه اسمٌ ذو معنًى أبعد من أن يدلَّ على الغناء، ألا وهو معنى "العلم والإدراك"؟ كان الأفضل أن يُعرَف بالإنشاد، لأن "أنشد" المَزيد دالٌّ على قراءة الشعر، وهذا المَزيد صادرٌ عن المجرَّد "نشد"، المرادِ به: نادى، أي دعا برفع الصوت.([2]) و"نشد" الثلاثي مشتقٌّ من الثنائي "نَشْ"، ومكرَّرُه "نَشنَش"، أي صوَّت عند الغلَيان.([3])
لكن في الواقع، على رأينا - وهو موافق رأي فريقٍ من المحققين، منهم المستعرب de Landberg،([4]) والمُستَسيِم Haupt،([5]) أن لفظة "الشِّعر" كانت تدل قديمًا على الغناء، وإن لم ترِد بهذا المفهوم في المعاجم التي بين أيدينا. ويمكن الاستدلال على ذلك بوسيلة "المقارنة الألسُنية الساميَّة"، إذ إننا نجد في أقدم اللغات السامية من حيث الآثارُ المكتوبة، أي اللغة الأكديَّة، كلمة "شِيرُو"، الدالة على هُتاف الكُهَّان في الهياكل.([6]) ومن الأكدية انتقلت اللفظة إلى العربية بصورة "شِيرْ" و"شِيرَه"، ومعناها: "النشيد"، ومنها صِيغَ الفعل المرتجَل "شِيرْ": "أنشدَ، غنَّى".([7]) ثم إلى الأرمية بصورة "shôr": "أنشدَ، رنَّم، غنَّى".([8]) ومن ذلك جاء اسم سِفر من أسفار العهد القديم، وهو "شِيرْ هَشِّيْرِيمْ"، أي نشيد الأناشيد. وقد ورد الفعل العبري "شِيرْ"، في أقدم أثر للغة العبرية، وهو نشيد (...) دبورة، يليه مرادفه "زَامَرْ"، وكلاهما بصيغة الحاضر: "أَشِيرَه": "أُنشِدُ"، و"أُزَمِّيرْ": أُزَمِّر.([9])
والجدير بالملاحظة – كما أشار إلى ذلك المُستَأشِر([10]) (Assyriologue) Langdon – أنَّ العبارة الأكدية Zamar shêri تطابق كل المطابقة العبارة العبرية mizmôr shîr، ومؤداهما في العبرية: مزمور، نشيد، أو شِعر.([11])
هذا ومعلومٌ أن أغلبَ الأحرف الحَلقية – ومنها العين – قد سقطت في الأكديَّة، أو أنها كانت تُلفظ دون أن تُمثِّلها علامة في الكتابة، لأن الرسم المِسماري، المستعار للأكدية الساميَّة من الشمريَّة([12]) غير الساميَّة، كان خاليًا من العلامات للحلقيات، لخلوِّ الشمرية منها. ولهذا جاز لنا الافتراض بأن كلمة "شِيْرُو"، كان أصلُها أو لفظُها: "شِعْرُو"، إلا أنها وَلَجت العبريةَ والأرميةَ وهي خِلوٌ من العين، كما كانت مصورةً في الرسم المسماري. أما العربية فقد ظهرت، أو بقيت فيها العينُ الأصلية. على أن العربية والعبرية قد احتفظتا بالكسرة المحرَّكة بها الشين في الأكدية "شِيرُو"، فجاء في العبرية "شِيرْ"، وفي العربية "شِعْر"، والكلمة "شِيرُو" أو "شِعْرُو" مشتقة حسب معناها في الأكدية والعبرية، أي معنى الهُتاف ثم الغِناء، من الثنائي "شَرْ"، الدال على الارتفاع، لأن الهتاف يتطلب رفع الصوت، وأكثرُ منه الإنشادُ والغناء. وهذا الرسُّ الثنائي واردٌ في الأكدية في لفظة "شَرّو"، أي الملك، لارتفاع مقامه على كل رعيَّته. وفي مفردة "شَرَارُو"، الدالة على طلوع النجم مرتفعًا ولامعًا. ولقد توسعت فكرة الارتفاع في العربية، في الثُّلاثيات الآتية وهي: "شرع، شرف، شرق"، وكذلك في لفظة "شهر" الثلاثي، ومعناه استلَّ السيفَ وانتَضاه ورفعه.([13])
فضلًا عن هذا، فالتوفيق بين العربية والعبرية سهل البروز في غير مواطن. فإن عبارة "شِيرْ هَشِّيرِيمْ" تُترجم عادةً في العربية بعبارة "نشيد الأناشيد"، لكن إذا نظرنا إلى أصل الكلمة ومدلولها في القِدَم، كما ورد في الأكديَّة، أمكنَنا تأديتها بما يقابلها في العربية، بقولنا "شِعْر الأشعار"، كما نقول "نشيد الأناشيد"، أو "أغنية الأغاني". ثم يقال في العبرية Sēfer hashshīr، وينظر إلى ذلك في العربية عنوان مصنَّف ابن قُتَيبة "كتاب الشِّعْر"، فيجوز أن يقال: "سِفر الشعر"، وكذا يَسُوغ أن يسمَّى "كتابُ الأغاني" "سِفرَ الأشعار"، إذ في سائر هذه العبارات تُفيد لفظةُ "الشِّعر" معنى الإنشاد والغناء.
ومن أوضح الأدلة على رأينا هو أن هذا المفهوم الخاصَّ والقديم، مفهومُ مفردة "الشِّعر"، قد بقي مَصونًا في بعض اللهجات العربية ذاتها، في الشَّمال، وخصوصًا في الجنوب. ففي لغة العراق، وارد لفظ "الشَّعَّار"، وهو الذي يغنِّي راقصًا، أو يرقص مغنيًا. وفي لهجات الجنوب، ولا سيما في لهجات عُمان وحضرموت، يطلق اسم "الشاعر" على المغنِّي، واسم "الشِّعر" على الغناء.([14])
صفوة القول: إن المعنى الحقيقي للشِّعر هو فَحوَى "الغناء"، ومرادفُه الإنشاد. وهذا المدلولُ القديمُ هذا القِدَمَ، قد تجلَّى في اللغة الأكدية المرتقيَة آثارُها الأدبيةُ إلى ما يربو على الأربعين قرنًا. ومن الأكدية انتقلَت الكلمة إلى العبرية والأرمية، بعَين المفهوم، حسَب سُنَّة التوسع والتطور. وهذا كان منطوقها في العربية قديمًا، لكنه فُقد في الفصحى، وحُفظ في اللهجات حتى اليوم. ومن هنا تظهر فائدة درس اللهجات للتقصِّي عن أصول المفردات وتاريخ تطورها.
أما أهلُ المعاجم العربية، فلما وجدوا كلمة "شَعَرَ" دالةً على "الإدراك والعِلم"، كما أثبتناهُ أعلاه، استخرجوا منها، اعتباطًا ودون سنَد، تحديدًا "للشِّعر"، لم يبت منطبقًا حقَّ الانطباق على ماهيَّتِه، منذ نشأتِه، وانتشارِه، واستمرارِه، على كُرور الأحقاب والقرون.
ومن هنا يُستدل خاصةً على توغُّل أصل "الشعر العربي" في القِدَم، فإن منشأَه لم يبدأ، كما يتبادرُ إلى الوهم، في عصر الجاهلية، بل قد وُجد قبلَه بزمنٍ طويل، وإن ظهر المدوَّنُ منه حديثَ الأثر في تاريخ الآداب.
(المصدر كتاب: معجميات عربية سامية/ أوغسطين مرمرجي الدومنكي: ص 64 – 71)
* * *
أصل كلمة "الأدب":
يؤخذ مما ورد في المعاجم وكتب الأدب أن "الأدب" يحدَّد بتحديداتٍ مختلفة.
أولًا: "الأدب" هو تعلُّم رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، وتجنُّب القبائح. ويقع على كل رياضةٍ محمودة يتخرَّج بها الإنسان في فضيلةٍ من الفضائل. وفي هذا المعنى يكون ناجمًا عن علم الأخلاق. ويقابله في الفرنسية لفظة La morale.
ثانيًا: "الأدب": الظَّرْف وحُسن التناول، وهو استعمال ما يُحمد قولًا وفعلًا، والأخذ أو الوقوف مع المستحسَنات. وتعظيمُ المرء مَن فوقه، ورفقُه بمن هو دُونه. ويرادفه: الأُنس، واللُّطف، وحُسن المعاشرة. ويُنظر إليه في الفرنسية كلمة Politesse.
ثالثًا: يُطلق لفظ "الأدب" على العلوم العربية، وهو علمٌ يُحترَز به من جميع أنواع الخطأ، وتُعرف به أساليبُ الكلام البليغ في كل حالٍ من أحواله، ويُكتسَب بالدرس، والحفظ، والنظر في الآثار الأدبية من منظومٍ ومنثور. ويضارعُه في الفرنسية La littérature أو Les belles-Lettres.
رابعًا: يراد بكلمة "أدب" معنى: صنعَ صنيعًا ودعا الناسَ إليه. ويرادفه: أقامَ وليمةً، وصنعَ غداءً، ودعا إليه دعوةً. ويقابله في الفرنسية Inviter à un festin.([15])
فجميع هذه الفحاوي، مع ما يَظهرُ فيها من التباين، عائدةٌ إلى أصلٍ واحد، وهو العمل، أو الصنع، أو الجهد، في عدة أحوال. بيدَ أن لفظة "أدب" الثلاثية، بحالتها هذه، لا تتضمن - حسَب الاشتقاق - معنًى يدلُّ على العمل، والجِد، والكسب. ولهذا تضاربَت الآراء في تأصيلها، حتى قال بعضهم بأنها دخيلةٌ من اليونانية، كأن العربية مفتقرةٌ إلى الأجنبية حتى في قِوام العلوم اللغوية، والأخلاقية، والحياة الاجتماعية.
على أننا نرى هناك وسيلةً لجعل هذا الاشتقاق منطبقًا على تحديد الكلمة، وتفرُّع معانيها، فيصبح هذا الاشتقاق معقولًا، متساوقًا، منطبقًا، ألا وهي وسيلة الرجوع إلى الأصل الثنائي.
غير أنه يقتضي الفرض أولًا أن كلمة "أدب" ليست بأصلية، بل هي مقلوبة عن لفظة أخرى وهي "دأب"، المراد بها: جدَّ في عمله مستمرًّا. والدأب: العادةُ والشأن، مما يتطلب المثابرة على العمل (Lane ٧٣٩ ي) إلا أنَّ "دأب" ذاته صادرٌ عن الثنائي "دَبْ"، ومدلوله: مشى على هِينَتِه، وسرى، وجرى. (Lane ٨٤١ ي).
إذَن مِن المشي والجري توسَّع المعنى إلى العمل بجدٍّ ومثابرة، ومن ذلك تحصل العادة، المتوقفة على تَكرار الأفعال، مما يَنجُم عنه الملَكات. فإذا كانت هذه الملَكات حسنة، صدرَت عنها الأخلاقُ الحميدة. وإذا كانت هذه الملكات مترسخةً في تصرُّف المرء ومعاملتِه لأقرانه في الحياة الاجتماعية، تولَّد منها الظَّرْف، والكياسة، وحُسن المعاشرة. وإذا جدَّ المرءُ في اقتباس العلوم اللغوية، من منظومٍ ومنثور، في الكلام والكتابة، والوقوف على آثار الكتَّاب والأدباء، نشأ عن ذلك "علمُ الأدب"، أي مُجمَل المعارف والآثار العربية التي تولَّدَت بعد الإسلام. أما المعنى الرابع للأدب، فهو ناشئٌ أيضًا عن العمل، لأن إيلامَ الولائم، والدعوةَ إلى المآدب، إنما هو صنيعٌ صادرٌ عن كرَمِ الأخلاق.
(المصدر كتاب: معجميات عربية سامية/ أوغسطين مرمرجي الدومنكي: ص 62 – 64)
[أعد هذه المادة للنشر على الإنترنت: صهيب يوسف]
ــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) يراجع "المَعلمة الإسلامية" (بالفرنسية)، ج ٤، ص ٣٨٧ ي ي - "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب"، لمحمود الألوسي، ج 1، ص ٣٦٩ ي - "تاريخ آداب اللغة العربية"، لجُرجي زيدان، ج ١، ص 54 ي ي - "مقدمة إلياذة هوميرُس"، لسليمان البستاني، ص 149 و136.
([3]) الشرتوني: ص 1401 – 4. [أقرب الموارد، لسعيد الشرتوني].
([4]) المعجم الدثيني، ص ٣٠٢. [معجم للهجة دثينة باليمن، للمستشرق السويدي كارلو لاندبرغ: Glossaire datînois: Landberg, Carlo].
([5]) The American Journal of Semitic Languages, XXIV, 170. [المُستَسيِم: المتخصص في الساميَّات].
([6]) معجم Muss-Arnolt، ص ١١٠٤.
([9]) راجع في العبرية: سفر القضاة: ٥: ٣.
([10]) [المُستَأشِر: المتخصص في الآشوريَّات].
([11]) راجع في العبرية المزمور ٦٧: ١، و٦٨: 1، [هذه الحاشية غير مرتبطة برقم إحالة في الكتاب المطبوع، ولعل هذا موضعها].
([12]) [الشمريَّة: السومريًّة].
([13]) راجع معجم Muss-Armolt: ص ١١١٩ ي، ومعجم Bezold: ص 287، ومعجم الشرتوني: ٥٨٣ و٦١٨، وكتاب de Landberg – Datînah, commentaire des textes prosaïques, ص 987.
([14]) يراجع المعجم الدثيني، تأليف de Landberg، ص ٢٠٤ ي.
([15]) يراجع Lane 34 ي - علم الأدب، لشيخو، ص ٥ ي - مقالات علم الأدب، لشيخو، ص 3 ي، المَعلمة الإسلامية (بالفرنسية) ١ – ١٢٤.