غياب الشعر الإسلامي.. استقراء ومراجعة

غياب الشعر الإسلامي

"استقراء ومراجعة"

يمكن إعادة أسباب التراجع الملحوظ لنشاط وانتشار مدرسة الشعر الإسلامي المعاصر، (وهو الشعر المكتوب في العقود القريبة الماضية، المنطلق من قاعدة دعوية في أساسها الأول القديم، وتربوية في أساسها الثاني القديم، وفكرية إسلامية في أساسها الثالث الحديث)، إلى أمرين رئيسين:
1- غياب الدافع:
غياب أو ضعف جوهر هذه المدرسة الشعرية، والدافع لها والمؤثر فيها فكريًّا وإعلاميًّا، وهو اليقظات الدينية والحراك الفكري الدعوي الواسع الذي كانت مقترنةً به ورافدةً له، وهذا العنصر مع أنه أكسب القصيدة الإسلامية التنوع الضمني والفعالية والمنبر الإعلامي والجماهيرية والعمق الفكري والنهوض القوي في حينه؛ إلا أنه لم يكسبها الاستمرارية الفنية المطلوبة على المدى البعيد، لكونه عاملًا مؤقتًا كان يحتاج من الشعراء إلى جهود استباقية للمحافظة على استمرارية ما قدموه وما سيقدمونه مستقبلًا، مع أن غياب هذا الدافع لا يعني غياب القضايا الكبرى، ولا يعني غياب الشعر وضعفه، وأن تغير الظروف لا يعني أن يغير الشاعر مساره أو يترك مدرسته؛ وهنا يظهر دور الالتفاف والإبداع.
2- عدم مواكبة التجديد:
قلة أو عدم مواكبة شعرائها للتطورات الفنية الكبيرة التي حدثت في الشعر من حداثة وغيرها (باستثناء تجارب غير ملحوظة أو محاولات إنقاذ غير مكتملة)، إذ كانوا يركزون أكثر على الواقع وقضاياه؛ لا على المستقبل الفني للشعر ومدارسه، ويعبرون عن ذلك بأساليب متقاربة من المباشرية والوضوح الفني (الذي قرنوه بوضوح الرسالة)؛ لا بالتجديد والإبداع العميق المتنوع والمقترن بتعميق الفكر الإسلامي في القصيدة، هذا إلى جانب تحاشي غالبيتهم العظمى للحداثة الشعرية، فبقيت القصيدة الإسلامية في موقفها: المدافع عن الأصالة، والمحافظ الرزين على: الأسلوب الخاص المباشري، أو الأسلوب الكلاسيكي، غير الجسور على التغيير، أو ربما غير المقتنع بضرورته، وظلت تدور في هذا الفلك، حتى أخذت تتراجع وتتلاشى ككيان شعري مع التكرار والتشابه شيئًا فشيئًا، (خصوصًا في ظل طغيان الأساليب والأشكال المكررة لقصيدة البيت الإعلامية على المشهد الشعري)، ولذلك لم تنشأ داخل هذه المدرسة مدارس وتيارات ومسارات فنية وأدبية وفكرية متباينة ومتنافسة، تسهم في استمرارها وتطورها وتجددها، وفي نشوء حراك نقدي وأدبي متنوع موازٍ لها.. وعدم تطور الشعر فنيًّا يعني توقفه عن العطاء.