خصائص شهر رمضان

يَخْتَصُّ شَهْرُ رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الأَْحْكَامِ وَالْفَضَائِلِ:

الأُْولَى: نُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهِ:

نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ عَلَى التَّعْيِينِ. ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلاً بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[1] وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ[2].

وَقَدْ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ مُجَاهِدٍ - رضي الله عنه - قَوْلُهُ: “لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ”، لَيْسَ فِي تِلْكَ الشُّهُورِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَوَرَدَ مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ[3].

الثَّانِيَةُ: وُجُوبُ صَوْمِهِ:

صَوْمُ رَمَضَانَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ،

وَصَوْمِ رَمَضَانَ»[4]. وَدَلَّ الْكِتَابُ الْكَرِيمُ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِهِ، كَمَا فِي قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[5] قال تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[6]. الآْيَةَ. وَفَرْضِيَّةُ صَوْمِهِ مِمَّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ.

الثَّالِثَةُ: فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِيهِ:

دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»[7]. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْجُودُ فِي الشَّرْعِ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَأَيْضًا رَمَضَانُ مَوْسِمُ الْخَيْرَاتِ، لأَِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ زَائِدَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُؤْثِرُ مُتَابَعَةَ سُنَّةِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ[8].

الرَّابِعَةُ: أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ:

فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى رَمَضَانَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَفِي بَيَانِ مَنْزِلَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الْقَدْرِ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»[9].

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[10].

الْخَامِسَةُ: صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ:

أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُنِّيَّةِ قِيَامِ لَيَالِيِ رَمَضَانَ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْقِيَامِ بِصَلاَةِ التَّرَاوِيحِ[11]. وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِ قِيَامِ لَيَالِيِ رَمَضَانَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[12].

السَّادِسَةُ: الاِعْتِكَافُ فِيهِ:

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»[13].

وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَْوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ». الْحَدِيثَ[14].

السَّابِعَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي رَمَضَانَ وَالذِّكْرُ:

يُسْتَحَبُّ فِي رَمَضَانَ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ وَكَثْرَةُ تِلاَوَتِهِ، وَتَكُونُ مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُ الاِسْتِحْبَابِ «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ»([15]).

وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبَّةٌ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهَا فِي رَمَضَانَ آكَدُ[16].

الثَّامِنَةُ: مُضَاعَفَةُ ثَوَابِ الأَْعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي رَمَضَانَ:

تَتَأَكَّدُ الصَّدَقَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لِحَدِيثِ

ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَِنَّهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ؛ وَلأَِنَّ النَّاسَ فِيهِ مَشْغُولُونَ بِالطَّاعَةِ فَلاَ يَتَفَرَّغُونَ لِمَكَاسِبِهِمْ، فَتَكُونُ الْحَاجَةُ فِيهِ أَشَدَّ، وَلِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِهِ.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ[17].

التَّاسِعَةُ: تَفْطِيرُ الصَّائِمِ:

لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»[18].

الْعَاشِرَةُ: فَضْلُ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ:

الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ[19] لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً»[20].


[1] سورة البقرة / 185.

[2] سورة القدر / 1.

[3] تفسير ابن كثير 1 / 380، 7 / 332 ـ ط دار الأندلسي / بيروت.

[4] حديث: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله...» أخرجه البخاري (الفتح 1 / 49 ـ ط السلفية) ومسلم (1 / 45 ـ ط الحلبي).

[5] سورة البقرة / 183.

[6] سورة البقرة / 185.

[7] حديث: «كان أجود الناس بالخير». أخرجه البخاري (الفتح 4 / 116 ـ ط السلفية).

[8] فتح الباري 1 / 31، 4 / 116.

[9] حديث: «أتاكم رمضان شهر مبارك». أخرجه النسائي (4 / 129 - ط المكتبة التجارية)، وإسناده صحيح.

[10] حديث: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا...» أخرجه البخاري (الفتح 4 / 115 ـ ط السلفية).

[11] فتح الباري 4 / 251.

[12] حديث: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا...» أخرجه البخاري (الفتح 4 / 250 ـ ط السلفية) ومسلم (1 / 523 ـ ط الحلبي).

[13] حديث: «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان» أخرجه البخاري (الفتح 4 / 271 ـ ط السلفية) ومسلم (2 / 831 ـ ط الحلبي).

[14] حديث أبي سعيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان». أخرجه البخاري (الفتح 4 / 271 ـ ط السلفية).

[15] حديث: «أن جبريل كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان». تقدم تخريجه ف / 7.

[16] روضة الطالبين 2 / 368، أسنى المطالب 1 / 420، كشاف القناع 2 / 332.

[17] كشاف القناع 2 / 332، أسنى المطالب 1 / 406.

[18] حديث: «من فطر صائما...» أخرجه الترمذي (3 / 162 ـ ط الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني، وقال: «حسن صحيح».

[19] كشاف القناع 2 / 520، حاشية ابن عابدين 2 / 151، أسنى المطالب 1 / 458.

[20] حديث: «عمرة في رمضان تعدل حجة». أخرجه أحمد (1 / 308 ط المكتب الإسلامي) عن ابن عباس وأصله في الصحيحين.

للمشاركة بالمقالات في الشبكة
نرحب بمشاركاتكم ومقالاتكم لنشرها في الشبكة، للمشاركة يمكنكم الضغط هنا