أحكام الوقف والوصية في الأهل

قَالَ الحَنَفِيَّةُ: لَو قَالَ الوَاقِفُ: أَرضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوقُوفَةٌ لِلَّهِ أَبَدًا عَلَى أَهلِ بَيتِي، فَإِذَا انقَرَضُوا فَهِيَ وَقفٌ عَلَى المَسَاكِينِ - تَكُونُ الغَلَّةُ لِلفُقَرَاءِ وَالأغنِيَاءِ مِن أَهلِ بَيتِهِ، وَيَدخُلُ فِيهِ أَبُوهُ وَأَبُو أَبِيهِ وَإِن عَلاَ، وَوَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ وَإِن سَفَلَ، الذُّكُورُ وَالإنَاثُ، وَالصِّغَارُ وَالكِبَارُ، وَالأحرَارُ وَالعَبِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَالذِّمِّيُّ فِيهِ كَالمُسلِمِ. وَلاَ يَدخُلُ فِيهِ الوَاقِفُ، وَلاَ الأبُ الَّذِي أَدرَكَ الإسلاَمَ، وَلاَ الإنَاثُ مِن نَسلِهِ إِن كَانَ آبَاؤُهُم مِن قَومٍ آخَرِينَ. وَإِن كَانَ آبَاؤُهُم مِمَّن يُنَاسِبُهُ إِلَى جَدِّهِ الَّذِي أَدرَكَ الإسلاَمَ فَهُم مِن أَهلِ بَيتِهِ.

وَالآلُ وَالأهلُ بِمَعنًى وَاحِدٍ عِندَهُم فِي الوَصِيَّةِ أَيضًا، فَلَو أَوصَى لآِلِهِ أَو أَهلِهِ، يَدخُلُ فِيهِم مَن جَمَعَهُم أَقصَى أَبٍ لَهُ فِي الإسلاَمِ. وَيَدخُلُ فِي الوَصِيَّةِ لأَهلِ بَيتِهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ مِمَّن لاَ يَرِثُ.

وَلَو أَوصَى لأَهلِ فُلاَنٍ فَالوَصِيَّةُ لِزَوجَةِ فُلاَنٍ فِي قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِندَ الصَّاحِبَينِ يَدخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَن تَلزَمُهُ نَفَقَتُهُم مِنَ الأحرَارِ، فَيَدخُلُ فِيهِ زَوجَتُهُ وَاليَتِيمُ فِي حِجرِهِ، وَالوَلَدُ إِذَا كَانَ يَعُولُهُ. فَإِن كَانَ كَبِيرًا قَدِ اعتَزَلَ، أَو بِنتًا قَد تَزَوَّجَت، فَلَيسَ مِن أَهلِهِ. وَلاَ يَدخُلُ فِيهِ وَارِثُ المُوصِي وَلاَ المُوصَى لأَِهلِهِ.

وَجهُ قَولِ الصَّاحِبَينِ أَنَّ الأهلَ عِبَارَةٌ عَمَّن يُنفِقُ عَلَيهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَن سَيِّدِنَا نُوحٍ عليه السلام: “إِنَّ ابنِي مِن أَهلِي[1] وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ لُوطٍ عليه السلام: “فَنَجَّينَاهُ وَأَهلَهُ[2] وَوَجهُ قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الأهلَ عِندَ الإطلاَقِ يُرَادُ بِهِ الزَّوجَةُ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ، يُقَالُ: فُلاَنٌ مُتَأَهِّلٌ، وَفُلاَنٌ لَم يَتَأَهَّل، وَفُلاَنٌ لَيسَ لَهُ أَهلٌ، وَيُرَادُ بِهِ الزَّوجَةُ، فَتُحمَلُ الوَصِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ.[3]

وَقَالَ المَالِكِيَّةُ: إِنَّ الوَاقِفَ لَو وَقَفَ عَلَى آلِهِ أَو أَهلِهِ شَمَلَ عَصَبَتَهُ مِن أَبٍ وَابنٍ وَجَدٍّ وَإِخوَةٍ وَأَعمَامٍ وَبَنِيهِمُ الذُّكُورِ، وَشَمَلَ كُلَّ امرَأَةٍ لَو فُرِضَ أَنَّهَا رَجُلٌ كَانَ عَاصِبًا، سَوَاءٌ أَكَانَت قَبلَ التَّقدِيرِ عَصَبَةً بِغَيرِهَا أَم مَعَ غَيرِهَا، كَأُختٍ مَعَ أَخٍ أَو مَعَ بِنتٍ، أَم كَانَت غَيرَ عَاصِبَةٍ أَصلاً، كَأُمٍّ وَجَدَّةٍ.

وَإِذَا قَالَ: أَوصَيتُ لأَهلِي بِكَذَا، اختَصَّ بِالوَصِيَّةِ أَقَارِبَهُ لأُمِّهِ؛ لأَِنَّهُم غَيرُ وَرَثَةٍ لِلمُوصِي، وَلاَ يَدخُلُ أَقَارِبُهُ لأَبِيهِ حَيثُ كَانُوا يَرِثُونَهُ. وَهَذَا إِذَا لَم يَكُن لَهُ أَقَارِبُ لأَبِيهِ لاَ يَرِثُونَهُ. فَإِن وُجِدُوا اختُصُّوا بِالوَصِيَّةِ، وَلاَ يَدخُلُ مَعَهُم أَقَارِبُهُ لأُِمِّهِ. وَهَذَا قَولُ ابنِ القَاسِمِ فِي الوَصِيَّةِ وَالوَقفِ. وَقَالَ غَيرُهُ بِدُخُولِ أَقَارِبِ الأمِّ مَعَ أَقَارِبِ الأبِ فِيهِمَا[4].

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِن أَوصَى المُوصِي لآِلِ غَيرِهِ صلى الله عليه وسلم صَحَّتِ الوَصِيَّةُ، وَحُمِلَ عَلَى القَرَابَةِ لاَ عَلَى أَهلِ الدِّينِ فِي أَوجَهِ الوَجهَينِ، وَلاَ يُفَوَّضُ إِلَى اجتِهَادِ الحَاكِمِ. وَأَهلُ البَيتِ كَالآلِ. وَتَدخُلُ الزَّوجَةُ فِي أَهلِ البَيتِ أَيضًا. وَإِن أَوصَى لأَهلِهِ مِن غَيرِ ذِكرِ البَيتِ دَخَلَ كُلُّ مَن تَلزَمُهُ مَئُونَتُهُ.[5]

وَقَالَ الحَنَابِلَةُ: لَو أَوصَى لآِلِهِ أَو أَهلِهِ خَرَجَ الوَارِثُونَ مِنهُم، إِذ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَدَخَلَ مِن آلِهِ مَن لاَ يَرِثُ[6].


[1] سورة هود / 45

[2] سورة الشعراء / 170

[3] بدائع الصنائع 7 / 349 وما بعدها.

[4] الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 4 / 93، 94، 432

[5] الروضة للنووي 6 / 177 ط المكتب الإسلامي بدمشق، وحاشية الشرواني على التحفة 7 / 58 ط الميمنة، ونهاية المحتاج 6 / 82، وحاشية القليوبي 3 / 171 وحاشية الجمل على المنهج 4 / 60

[6] كشاف القناع 4 / 242

للمشاركة بالمقالات في الشبكة
نرحب بمشاركاتكم ومقالاتكم لنشرها في الشبكة، للمشاركة يمكنكم الضغط هنا